ظاهرة التدخين في مدارسنا
ظاهرة التدخين وانتشارها في مدارسنا وبين أبنائنا من الطلاب أصبحت ظاهرة تستحق أن نتوقف عندها لنعرف
أسبابها وآثارها السيئة، والسبل المقترحة لعلاجها ولابد حينئذ من تكاتف
الجهود وتوحد القوى للقضاء على هذا الخطر الداهم الذي بدأ يتزايد كل عام عن
الأعوام السابقة، وبدأ يهدد حياة أولادنا وفلذات أكبادنا.
ولقد أمرنا الله عز وجل في كتابه الكريم
بان نحافظ على أولادنا ونحميهم من المهالك والأخطار، ومما يهدد مستقبل
حياتهم، فقال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا
النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا
يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ [التحريم: 6].
وأخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بأن كل
إنسان راع وكل راع مسؤول أمام الله عن رعيته، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ
اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - أَنَّهُ
سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ((كُلُّكُمْ رَاعٍ
وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالإِمَامُ رَاعٍ، وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ
رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ في أَهْلِهِ رَاعٍ، وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ
رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ في بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهْىَ
مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ في مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ،
وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ. قَالَ فَسَمِعْتُ هَؤُلاَءِ مِنْ
رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَحْسِبُ النَّبِىَّ صلى الله عليه
وسلم قَالَ وَالرَّجُلُ في مَالِ أَبِيهِ رَاعٍ، وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ
رَعِيَّتِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ
رَعِيَّتِهِ)). أَخْرَجَهُ أحمد 2/121(6026) و"البُخَارِي" 2/6 و4/6 (2751) وفي (الأدب المفرد) 214 و"مسلم" 6/8 (4755).
فالأبوان راعيان لأولادهم وهما مسئولان عن رعايتهما والمعلم راع وهو مسؤول عن رعاية طلابه، والإعلام راع وهو مسؤول عن تثقيف الناس بالثقافة الإسلامية الصحيحة، لذا فإن مسؤولية تربية النشء تقع على المجتمع كله.
فالوالدان في
البداية تقع عليهما المسؤولية في تنشئة الأبناء تنشئة صالحة وذلك عن طريق
التربية الصحيحة بتعريف الأبناء بما يضرهم وبما ينفعهم في حياتهم.
فالأب
يبدأ بمراقبة سلوك أبنائه مراقبة دقيقة ويجنبهم رفاق السوء وبخاصة إذا وصل
الابن إلى سن المراهقة، فتزداد الرقابة عليه ولا يترك له الحبل على
الغارب، والابن في هذه السن يقلد من هو أكبر منه، فإذا ما وجد أباه يدخن
أمامه فمن الصعب على الأب أن يأمره بعدم التدخين،قال الشاعر العربي:
|
يا أيها الرجل المعلمُ غيرهَ
هلا لنفسك كان ذا التعليمُ
لا تنه عن خلق وتأتيَ مثلَه
عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيمُ
وابدأ بنفسك فانهها عن غيها
فإذا انتهت عنه فأنت حكيمُ
فهناك تُقبل إن وعظت ويُقتدى
بالقول منك وينفع التعليمُ
تصفُ الدواءَ لذي السقام الضنا
كيما يصح به وأنت سقيمُ
وأراك تلقح بالرشاد عقولنا
نصحاً وأنت من الرشادِ عديمُ
|
والمدرسة - أيضا- لها دورها البارز في
علاج ظاهرة التدخين وذلك عن طريق توعية الطلاب بأضرار التدخين وأثاره
المدمرة، وعمل لقاءات وندوات للتعريف بأضرار التدخين وسبل الوقاية منه.
وهذه التوعية لا بد أن يشارك فيها جميع مدرسي المواد، فمدرس مادة العلوم مثلا من الممكن أن يخصص جزءاً من حصته للحديث عن أضرار التدخين من الناحية الصحيحة، وكيف أن التدخين يؤثر علي وظائف الأعضاء، فيصيب الجهاز الهضمي بالتلف ويسبب قرحة الإثني عشر والأمعاء، وسرطان المعدة، كما يؤثر علي الجهاز الدوري من تصلب الشرايين وجلطات القلب، وزيادة نسبة السكر في الدم، وعلي الجهاز التنفسي من سرطان الرئة، وضيق القصبة الهوائية وعلي الجهاز العصبي بالصداع الدائم والأرق وضعف الذاكرة وضعف الأعصاب ثم تأثيره علي الجهاز البولي وعلي باقي أجهزة الجسم إضافة إلي الأمراض النفسية الكثيرة التي يصاب بها المدخن.
ومدرس مادة الاجتماعيات من الممكن- كذلك- أن يبين للطلاب الأثر الاجتماعي والاقتصادي السيئ للتدخين وكيف أنه يسبب أكبر وفيات في العالم، ويسبب الحرائق وذلك بسبب تحرك بقايا السجائر، كما أن رائحته تؤذي المجتمع فيحدث التنافر بين الناس.
ومدرس مادة التربية الإسلامية عليه أن يبين للطلاب حكم التدخين من الناحية الشرعية، وبأن الإسلام قد حرم علي الإنسان كل ما يضره قال تعالي: ﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ﴾ [الأعراف: 157]. وقال: ﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [البقرة: 195].
وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ))؛ أخرجه أحمد 1/255 (2307) و(ابن ماجة)
2337، وعَنْ أم سَلَمَةَ، قَالَتْ: نَهَى رَسُولُ اللهِِ - صلى الله عليه
وسلم - عَنْ كُلًّ مُسْكِرٍ ومُفْتِرٍ. أخرجه أحمد 6/309 و"أبو داود" 3686.
ومدرس مادة اللغة العربية - كذلك - من
الممكن أن يطلب من طلابه عمل بحوث وجمع النصوص الأدبية التي تحدثت عن أضرار
التدخين مثل قول الشاعر:
|
كم في الدخان معائب ومكارة
![]()
دلت رذائله علي إنكاره
![]()
يؤذي الكرام الكاتبين بنتنه
![]()
وأمام وجهك شعلة من ناره
![]()
وأمام من نقود يا فتي وملابس
![]()
أتلفتها بشرائه وشراره
![]() |
ومدرس التربية البدنية له دور كذلك في شرح أثر التدخين علي اللياقة البدنية لصحة الإنسان.
ومدرس التربية الفينة
يشارك برسوماته المعبرة عن أضرار التدخين ولا ننسي في ذلك دور الإذاعة
والصحافة المدرسية التوعية، ودور الأخصائي الاجتماعي في عمل ندوات علمية
يشارك فيها الأطباء والطلاب وأولياء الأمور.
وخطباء المساجد- أيضاً - لهم دورهم الواضح
من خلال خطبة الجمعة والدروس الأسبوعية. فخطر التدخين ومسئولة القضاء عليه
مسئولية تقع علي أفراد المجتمع كله، ولا تخص شخصاً دون غيره، لأن أبناءنا
هم الذين سيدفعون الثمن فادحاً في النهاية.
رزقنا الله وإياكم الصحة والعافية ووقانا جميعاً شر مصارع السوء
رابط الموضوع: http://www.alukah.net/Culture/0/21652/#ixzz2G6PKBIz5
يوجد حاليًا أكثر من مليار مدخن في مختلف أنحاء العالم، وإذا استمرت الاتجاهات الحالية، فمن المتوقع أن يرتفع العدد إلى أكثر من مليار ونصف بحلول عام 2025م.
وليس هناك من يجادل الآن في أن تدخين السجائر يضرُّ بصحة الإنسان على نطاق العالم، فالأمراض المرتبطة بالتدخين مسؤولة بالفعل عن واحدة من كل عشر وفيات بين البالغين على مستوى العالم.
وبحلول عام 2030م، ومن الجائز قبل ذلك سوف تكون النسبة تتراوح بين 1 6، أو 10 ملايين وفاة في السنة، مما يجعل التدخين أكبر سبب متفرد للوفاة.
يقول برابهات: حتى عهد قريب كانت محنة التدخين من أهم أسباب الأمراض المزمنة والوفاة التي أصبحت تطال سكان البلدان الغنية والفقيرة على السواء.
والأخطر من ذلك أن هذه المحنة تنتقل بسرعة إلى العالم النامي، وبحلول عام 2020م يكون 7 من كل 10 ممن يموتون بأمراض يسببها التدخين.
إن للتدخين عاقبتين مهمتين على الصحة، فالأولى أن المدخن يصبح بسرعة مدمنًا للنيكوتين، الذي يقلل بعض الناس من خواصه الإدمانية، رغم أنها ثابتة وموثقة، والثانية أن التدخين يسبب في النهاية أمراضًا معقدة ومميتة؛ منها: سرطان الرئة، وأمراض ضيق شرايين القلب، وأمراض الجهاز التنفسي.
يقول جوي بيير: ونظرًا؛ لأن الفقراء يرجِّح أن يكونوا مدخنين أكثر من الأغنياء، فإن مخاطر الأمراض المرتبطة بالتدخين تهددهم بدرجة أكبر.
وأشد مما سبق ما أكده أكثر من طبيب ومتخصص من أن التدخين يؤثر على صحة غير المدخنين عن طريق الاستنشاق أو الدم أو المخالطة، وأخطر من ذلك كله تأثُّر الأطفال الذين يولدون لأمهات مدخنات.
ووفقًا للنظرية الحديثة في الاقتصاد، فإن المستهلكين هم عادة أفضل مَن يحكمُ على كيفية إنفاق نقودهم على السلع والخِدْمات، وعندما يتحمل المستهلكون كل تكاليف أعمالهم ويعرفون كل المخاطر، فإن موارد المجتمع تكون من الناحية النظرية قد خصصت بأقصى كفاءة ممكنة، فهل تنطبق هذه النظرية على التدخين؟!
من الواضح أن المدخنين يجدون منافع التدخين، مثل: المتعة (المتوهمة) التي يوفرها لهم أو تجنُّب الآلام (الوهمية) التي تعقب الامتناع عنه، ويوازنون بين هذه المنافع وبين التكاليف التي يتحملونها باختيارهم.
وعند النظر إلى المسألة بهذه الطريقة تكون المنافع التي سيحققونها أكبر من التكاليف، وإلا فإن المدخنين لن يدفعوا ليدخنوا.
بيد أنه يبدو أن خيار التدخين يختلف عن خيار شراء أي سلعة استهلاكية أخرى من ثلاث نواح مهمة:أولاً: هناك دلائل على أن العديد من المدخنين وخاصة في بلدان الدخل المنخفض لا يدركون تمامًا المخاطر العالية للمرض وللموت الذي يترتب على اختيارهم.
ثانيًا: أن إدمان النيكوتين يبدأ عادة في سن المراهقة أو في مرحلة البلوغ المبكرة، ولا يكون لدى الشباب عادة، حتى عند إعطائهم المعلومات اللازمة الرؤية أو القدرة على اتخاذ قرارات سليمة، للابتعاد عن محنة التدخين.
ثالثًا: أن التدخين يفرض تكاليف مالية، وكذا تكاليف أخرى على غير المدخنين، تشمل الأضرار بالصحة والمضايقة والتهيج، نتيجة التعرض لدخان السجائر المنتشر في البيئة.
توحي الدراسات الحديثة في البلدان ذات الدخل المرتفع بأن التكلفة الطبية على مدى الحياة، هي أعلى قليلاً بالنسبة للمدخنين، إلا أن بعض الباحثين يرون أنه نظرًا لأن المدخنين يموتون في سن مبكرة، فإن تكلفة الرعاية الصحية مدى الحياة قد لا تكون أكبر، بل من المحتمل أن تكون أقل بالنسبة للمدخنين عنها لغير المدخنين.
لذا أثار ضياع السياسات عادة مخاوف بشأن مكافحة التدخين، من مثل أنها ستتسبب في فقدان دائم للوظائف!!
بيد أن الطلب المتناقص على السجائر لا يعني بالضرورة انخفاضًا في المستوى الكلي للعِمالة في أي بلد، والنقود التي كان المدخنون ينفقونها على السجائر يمكن إنفاقها على سلع وخدمات أخرى تولد وظائف جديدة تحل محل الوظائف التي فقدتها صناعة التبغ.
وقد بينت أخيرًا عدة دراسات مستقلة، أن اغلب البلدان لن تشهد فقدانًا نهائيًّا للوظائف، وأن القليل منها يشهد مكاسب صافية إذا ما انخفض استهلاك السجائر.
وهنا نسأل: ما الذي يمكن عمله؟!!
يقول بيتر هيلر: الواقع أنه ربما تكون زيادة الضرائب على السجائر هي أكثر الوسائل فعالية في منع صغار السن من البدء في التدخين، وفي تشجيع من يدخنون بالفعل على التقليل من استهلاكهم أو الامتناع عن ذلك.
إن هذا النوع من التدخل قد يكون له تأثير على عادات التدخين لدى الصغار والمراهقين؛ لأنهم أكثر من الكبار استجابة لرفع الأسعار.
والدلائل المستمدة من بلدان من جميع مستويات الدخل تبين أن لزيادة أسعار السجائر أثرًا ملموسًا في تقليل الطلب على السجائر.
ولذا يمكن إلى جانب ذلك للحكومات أن تستخدم وسائل أخرى لتقليل الطلب، من مثل:1- المنع الشامل للإعلان عن السجائر أو الترويج لها، وهو يمكن أن يقلل الطلب بحوالي 8% طبقًا لدراسات الاقتصاد القياسي في بلدان الدخل المرتفع.
2- الإعلانات المضادة في وسائل الإعلام، وإبراز بطاقات التحذير الخاصة بالصحة، والمطبوعات ونشر نتائج الأبحاث المتعلقة بالآثار الصحية للتدخين.
3- منع التدخين في المدارس والجامعات، وأماكن العمل والطائرات، والأماكن والمرافق العامة.
4- إلغاء القيود بزيادة الحصول على علاجات الإحلال محل النيكوتين، وتوفير علاجات أخرى للمدخنين الذين يرغبون في الكف عن التدخين، واستحداث وحدات ومراكز خاصة للمساعدة على الإقلاع عن التدخين.
ومع ذلك وللأسف ففي حين قد تنجح التدخلات لتقليل الطلب، فان التدابير لتقليل المعروض من السجائر لا تبشر بنفس النتيجة، خاصة في ظل العولمة والانفتاح والحرية، واتفاقية الجات.
وذلك لأنه إذا كفَّ أحد الموردين عن نشاطه، فإن موردًا بديلاً يجد دافعًا لدخول السوق، وغالبًا لن يجد ممانعة من ذلك، بل ربما وجد تشجيعًا قويًّا.
وهذا ما حدا بأن يوصي تقرير صدر منذ عهد قريب من البنك الدولي عن اقتصاديات مكافحة التدخين، أولى بأن تتبنى الحكومات التي تعتزم اتخاذ إجراءات للحد من انتشار التدخين، أسلوبًا متعدد الشعب.
وثانيًا: ينبغي على الوكالات الدولية أن تراجع برامجها الحالية وسياساتها؛ لضمان إعطاء موضوع مكافحة التدخين الأهمية التي يستحقها، ورعاية الأبحاث في أسباب التدخين، ونتائجه وتكلفته، وفي مردودية التكلفة للتدخل المحلي والاهتمام بموضوعات مكافحة التدخين التي تتخطى حدود الدول، بما في ذلك مساندة الاتفاق الإطاري لمكافحة التدخين، الصادر أخيرًا من منظمة الصحة العالمية.
أخيرًا أقول:إن الخطر الذي يشكله التدخين على الصحة ضخم، ولكن احتمالات تقليل الوفيات المرتبطة بالتدخين بسياسات ذات مردودية التكلفة، هي أيضًا ضخمة، ويمكن لعمل متواضع صادق النيَّة قويّ الرقابة، واضح المعالم، مستهدف من الجميع أن يضمن مكاسب صحية، واجتماعية واقتصادية كبيرة في القرن الحادي والعشرين.
وقد آن أوان ذلك!!!
وليس هناك من يجادل الآن في أن تدخين السجائر يضرُّ بصحة الإنسان على نطاق العالم، فالأمراض المرتبطة بالتدخين مسؤولة بالفعل عن واحدة من كل عشر وفيات بين البالغين على مستوى العالم.
وبحلول عام 2030م، ومن الجائز قبل ذلك سوف تكون النسبة تتراوح بين 1 6، أو 10 ملايين وفاة في السنة، مما يجعل التدخين أكبر سبب متفرد للوفاة.
يقول برابهات: حتى عهد قريب كانت محنة التدخين من أهم أسباب الأمراض المزمنة والوفاة التي أصبحت تطال سكان البلدان الغنية والفقيرة على السواء.
والأخطر من ذلك أن هذه المحنة تنتقل بسرعة إلى العالم النامي، وبحلول عام 2020م يكون 7 من كل 10 ممن يموتون بأمراض يسببها التدخين.
إن للتدخين عاقبتين مهمتين على الصحة، فالأولى أن المدخن يصبح بسرعة مدمنًا للنيكوتين، الذي يقلل بعض الناس من خواصه الإدمانية، رغم أنها ثابتة وموثقة، والثانية أن التدخين يسبب في النهاية أمراضًا معقدة ومميتة؛ منها: سرطان الرئة، وأمراض ضيق شرايين القلب، وأمراض الجهاز التنفسي.
يقول جوي بيير: ونظرًا؛ لأن الفقراء يرجِّح أن يكونوا مدخنين أكثر من الأغنياء، فإن مخاطر الأمراض المرتبطة بالتدخين تهددهم بدرجة أكبر.
وأشد مما سبق ما أكده أكثر من طبيب ومتخصص من أن التدخين يؤثر على صحة غير المدخنين عن طريق الاستنشاق أو الدم أو المخالطة، وأخطر من ذلك كله تأثُّر الأطفال الذين يولدون لأمهات مدخنات.
ووفقًا للنظرية الحديثة في الاقتصاد، فإن المستهلكين هم عادة أفضل مَن يحكمُ على كيفية إنفاق نقودهم على السلع والخِدْمات، وعندما يتحمل المستهلكون كل تكاليف أعمالهم ويعرفون كل المخاطر، فإن موارد المجتمع تكون من الناحية النظرية قد خصصت بأقصى كفاءة ممكنة، فهل تنطبق هذه النظرية على التدخين؟!
من الواضح أن المدخنين يجدون منافع التدخين، مثل: المتعة (المتوهمة) التي يوفرها لهم أو تجنُّب الآلام (الوهمية) التي تعقب الامتناع عنه، ويوازنون بين هذه المنافع وبين التكاليف التي يتحملونها باختيارهم.
وعند النظر إلى المسألة بهذه الطريقة تكون المنافع التي سيحققونها أكبر من التكاليف، وإلا فإن المدخنين لن يدفعوا ليدخنوا.
بيد أنه يبدو أن خيار التدخين يختلف عن خيار شراء أي سلعة استهلاكية أخرى من ثلاث نواح مهمة:أولاً: هناك دلائل على أن العديد من المدخنين وخاصة في بلدان الدخل المنخفض لا يدركون تمامًا المخاطر العالية للمرض وللموت الذي يترتب على اختيارهم.
ثانيًا: أن إدمان النيكوتين يبدأ عادة في سن المراهقة أو في مرحلة البلوغ المبكرة، ولا يكون لدى الشباب عادة، حتى عند إعطائهم المعلومات اللازمة الرؤية أو القدرة على اتخاذ قرارات سليمة، للابتعاد عن محنة التدخين.
ثالثًا: أن التدخين يفرض تكاليف مالية، وكذا تكاليف أخرى على غير المدخنين، تشمل الأضرار بالصحة والمضايقة والتهيج، نتيجة التعرض لدخان السجائر المنتشر في البيئة.
توحي الدراسات الحديثة في البلدان ذات الدخل المرتفع بأن التكلفة الطبية على مدى الحياة، هي أعلى قليلاً بالنسبة للمدخنين، إلا أن بعض الباحثين يرون أنه نظرًا لأن المدخنين يموتون في سن مبكرة، فإن تكلفة الرعاية الصحية مدى الحياة قد لا تكون أكبر، بل من المحتمل أن تكون أقل بالنسبة للمدخنين عنها لغير المدخنين.
لذا أثار ضياع السياسات عادة مخاوف بشأن مكافحة التدخين، من مثل أنها ستتسبب في فقدان دائم للوظائف!!
بيد أن الطلب المتناقص على السجائر لا يعني بالضرورة انخفاضًا في المستوى الكلي للعِمالة في أي بلد، والنقود التي كان المدخنون ينفقونها على السجائر يمكن إنفاقها على سلع وخدمات أخرى تولد وظائف جديدة تحل محل الوظائف التي فقدتها صناعة التبغ.
وقد بينت أخيرًا عدة دراسات مستقلة، أن اغلب البلدان لن تشهد فقدانًا نهائيًّا للوظائف، وأن القليل منها يشهد مكاسب صافية إذا ما انخفض استهلاك السجائر.
وهنا نسأل: ما الذي يمكن عمله؟!!
يقول بيتر هيلر: الواقع أنه ربما تكون زيادة الضرائب على السجائر هي أكثر الوسائل فعالية في منع صغار السن من البدء في التدخين، وفي تشجيع من يدخنون بالفعل على التقليل من استهلاكهم أو الامتناع عن ذلك.
إن هذا النوع من التدخل قد يكون له تأثير على عادات التدخين لدى الصغار والمراهقين؛ لأنهم أكثر من الكبار استجابة لرفع الأسعار.
والدلائل المستمدة من بلدان من جميع مستويات الدخل تبين أن لزيادة أسعار السجائر أثرًا ملموسًا في تقليل الطلب على السجائر.
ولذا يمكن إلى جانب ذلك للحكومات أن تستخدم وسائل أخرى لتقليل الطلب، من مثل:1- المنع الشامل للإعلان عن السجائر أو الترويج لها، وهو يمكن أن يقلل الطلب بحوالي 8% طبقًا لدراسات الاقتصاد القياسي في بلدان الدخل المرتفع.
2- الإعلانات المضادة في وسائل الإعلام، وإبراز بطاقات التحذير الخاصة بالصحة، والمطبوعات ونشر نتائج الأبحاث المتعلقة بالآثار الصحية للتدخين.
3- منع التدخين في المدارس والجامعات، وأماكن العمل والطائرات، والأماكن والمرافق العامة.
4- إلغاء القيود بزيادة الحصول على علاجات الإحلال محل النيكوتين، وتوفير علاجات أخرى للمدخنين الذين يرغبون في الكف عن التدخين، واستحداث وحدات ومراكز خاصة للمساعدة على الإقلاع عن التدخين.
ومع ذلك وللأسف ففي حين قد تنجح التدخلات لتقليل الطلب، فان التدابير لتقليل المعروض من السجائر لا تبشر بنفس النتيجة، خاصة في ظل العولمة والانفتاح والحرية، واتفاقية الجات.
وذلك لأنه إذا كفَّ أحد الموردين عن نشاطه، فإن موردًا بديلاً يجد دافعًا لدخول السوق، وغالبًا لن يجد ممانعة من ذلك، بل ربما وجد تشجيعًا قويًّا.
وهذا ما حدا بأن يوصي تقرير صدر منذ عهد قريب من البنك الدولي عن اقتصاديات مكافحة التدخين، أولى بأن تتبنى الحكومات التي تعتزم اتخاذ إجراءات للحد من انتشار التدخين، أسلوبًا متعدد الشعب.
وثانيًا: ينبغي على الوكالات الدولية أن تراجع برامجها الحالية وسياساتها؛ لضمان إعطاء موضوع مكافحة التدخين الأهمية التي يستحقها، ورعاية الأبحاث في أسباب التدخين، ونتائجه وتكلفته، وفي مردودية التكلفة للتدخل المحلي والاهتمام بموضوعات مكافحة التدخين التي تتخطى حدود الدول، بما في ذلك مساندة الاتفاق الإطاري لمكافحة التدخين، الصادر أخيرًا من منظمة الصحة العالمية.
أخيرًا أقول:إن الخطر الذي يشكله التدخين على الصحة ضخم، ولكن احتمالات تقليل الوفيات المرتبطة بالتدخين بسياسات ذات مردودية التكلفة، هي أيضًا ضخمة، ويمكن لعمل متواضع صادق النيَّة قويّ الرقابة، واضح المعالم، مستهدف من الجميع أن يضمن مكاسب صحية، واجتماعية واقتصادية كبيرة في القرن الحادي والعشرين.
وقد آن أوان ذلك!!!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق